ابن أبي الحديد
310
شرح نهج البلاغة
قالت ( 1 ) : فعدد عليه أمور الاسلام كلها ، فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من الله ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأصنام والأوثان عن عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك . فقال النجاشي : فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شئ ؟ فقال جعفر : نعم . فقال أقرأه على فقرا عليه صدرا من ( كهيعص ) فبكى حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم ( 2 ) . ثم قال النجاشي : والله إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، والله لا أسلمكم إليهم . قالت أم سلمة : فلما خرج القوم من عنده ، قال عمرو بن العاص ( 3 : والله لأعيبهم غدا عنده بما يستأصل به خضراءهم 3 ) ، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين : لا تفعل ، فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفوا . قال : والله لأخبرنه غدا انهم يقولون في عيسى بن مريم : إنه عبد ثم غدا عليه من الغد ، فقال : أيها الملك ، إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه : فأرسل إليهم . قالت أم سلمة : فما نزل بنا مثلها . واجتمع المسلمون وقال بعضهم لبعض : ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه والله ما قال عز وجل ، وما جاء به نبينا عليه السلام ، كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر : نقول إنه عبد الله
--> ( 1 ) في الأصول : ( قال ) ، وما أثبته من السيرة . ( 2 ) السيرة : ( أخضلوا مصاحفهم ) . ( 3 - 3 ) السيرة : ) والله لآتينه غدا عنه بما أستأصل به خضراءهم ، أي جماعتهم ) .